ابن كثير

190

البداية والنهاية

للبيت ، ومعظما لحرمته . ثم قال لهم نحو ما قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على محمد ، وإن محمدا لم يأت لقتال ، إنما جاء زائرا لهذا البيت . فاتهموهم وجبهوهم ، وقالوا : وإن جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب . قال الزهري : وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة . قال : ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف ، أخا بني عامر بن لؤي ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال : هذا رجل غادر ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه ، فرجع إليه قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعثوا بحليس بن علقمة أو ابن زبان ، وكان يومئذ سيد الأحابيش ، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه . فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى ، فقال لهم ذلك . قال : اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر : أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم ، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له ؟ والذي نفس الحليس بيده ، لتخلن بين محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد . قالوا : مه كف عنا نأخذ لأنفسنا ما نرضى به . قال الزهري في حديثه : ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال : يا معشر قريش ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس ، وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي . قالوا : صدقت ما أنت عندنا بمتهم . فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال : يا محمد أجمعت أوشاب الناس ، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا ، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا . قال : وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امصص بظر اللات ، أنحن ننكشف عنه ؟ قال من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أبي قحافة . قال : أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بهذه قال : ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد ، قال : فجعل يقرع يده إذ يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول : اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك ، قال : فيقول عروة ويحك ، ما أفظك وأغلظك . قال : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال : أي غدر ، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس . قال الزهري : فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه ، وأخبره انه لم يأت يريد